عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

30

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

التوحيد : وهو ما يحصل للطالب المبتدىء عن صدق المقال ، وقد مر شرحه . والوحدانية : وهي ما يصدر عن الحال بإرادة الحق في مرآة الآفاق المتوسط كما بينا . الوحدة : وهي المقام المحمود الذي اختص به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] دون سائر الخلائق ، اللهم إلا بعض خواص الأولياء من أمته ، ومتابعيه بتبعيته ، وذلك من كمالية علم التوحيد المبني على التفريد بعد آداب حق التجريد . وهو أن يفردك الحق عنك بفردانيته عند استيلاء سلطان الذكر حين يخرج من قشر الحرف والصوت فيفنى بسطوة نفيه وجود الذاكر ويبقيه بسلطنة إثباته ببقاء المذكور ، فينوب المذكور عن الذاكر بدوام الذكر ، على مقتضى قوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] فيصير حينئذ الذاكر مذكورا ، والمذكور ذاكرا ، ويتبدل الأين بالعين ، والمباينة بالمعاينة ، والاثنينية بالوحدة هذا أوان أن يسمع بسمعه ، ويبصر ببصره ، ويتكلم بكلامه ، ويعلم بعلمه ، أنه لا إله إلا اللّه ويستغفر عن ذنب حسبان أنه يعلم أنه لا إله إلا اللّه كما هو ؛ لأن علمه غير متناه والذي يدل على اختصاص النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وخواص أمته بحقيقة علم التوحيد المخصوص بلا إله إلا اللّه ، وإن كانت الأمم الماضية يباشرون هذه الكلمة ويعتقدونها ما روينا في كتاب « عوارف المعارف » عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه : أن عيسى ابن مريم - عليه السلام - قال : رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة ، قال : أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ، علماء أخفياء حلماء كأنهم أنبياء ، يرضون مني بالقليل من العطاء وأرضى منهم بالقليل من العمل ، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا اللّه . يا عيسى هم أكثر سكان الجنة ؛ لأنها لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا اللّه كما ذلت ألسنتهم ، ولم تذل رقاب قط بالسجود كما ذلت رقابهم . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنه - . قال : إن هذه الآية مكتوبة في التوراة : يا أيها النبي إنا سلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للمؤمنين ، وكنزا للأميين أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى تقام به الملة المعوجة ، بأن يقولوا لا إله إلا اللّه ويفتحوا أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، يعني أعينا عميا عن رؤية جمال الحق ، وآذانا صما عن سماع كلام الحق ، وقلوبا غلفا مغطاة عن إدراك علم التوحيد والمعرفة .